الفكرة سليمان الفليح

الفكرة سليمان الفليح

09 فبراير 2026

3 دقائق

القصيدة الفصيحة كائنٌ بدويّْ

‎كان للشعر وجها واحدا،حتى قرأت سليمان الفليّح واكتشفت أن للشعر وجوها عدّة، لم يعلّمني أن كل الطرق تؤدّي إلى الشعر بل الشعر يؤدّي إلى كل الطرق. ‎ حين تقترب من قصيدته تدرك أنه لا يكتب بالكلمات فقط بل بالرمل والريح وأثر الخطوة على الطريق، إن لغته امتداد للمكان الذي نشأ فيه فهي ليست مجرد حروف بل بقايا صدى في وادٍ ما أو شجو ناي سمعه من أحد الرعاة ليلا فترك أثره في القصيدة.

‎إن قصيدة الفليح قصيدةٌ تشبهنا أستطيع أن أرى بها ملامحنا التي أثرت بها الشمس وأقدامنا التي ألفت الرمضاء وأرواحنا التي تتبع الندى وأعيننا التي تصطاد السراب،إنها قصيدةٌ تعرف نسبها بدون حاجةٍ لإختبار الجينات. ‎ ولعلَّ سر فرادته أنه لم يتعامل مع البداوة كموضوعٍ خارجي يصفه من بعيد، بل عاشها بجلده ودمه ووعيه ثم أعاد إنتاجها بلغة قادرة أن تلامس القارئ المعاصر كما تلامس القارئ القديم، فبداوته ليست قيدا بل بوابة واسعة نحو معنى إنساني أرحب.

‎كان الفليّح بالنسبة لي اكتشافا عظيما وفتحا شعريا،حين صافحته لأول مرة عبر ديوان "أحزان البدو الرحل" قلت لنفسي مباشرة هذا امتدادٌ حقيقي وتطورٌ طبيعي للقصيدة العربية القديمة،هذا شعرٌ خالص وكأنه يقول أن الحداثة ليست خصومة مع الماضي بل استيعاب له وصهره بشكل جديد.

‎إن الاصطدام بتجربة هائلة كتجربة الفليح جعلتني أعيد حساباتي في كل ما عرفته عن الشعر،كان الفليّح بحدّ ذاته فكرةً شعريّةً تضيء ما حولها، وبعدما كنت أنظر للشعر من زاوية واحدة أدخلني الفليّح إلى مركز الشعر وجعلني أنظر للحياة عبره وكلمّا غيرت وجهة نظري داخل الشعر رأيت الحياة بشكلٍ شعريٍّ مختلف. ‎ إنه يعلمنا أن الشعر ليس بوابة للحياة فحسب بل طريقة لرؤيتها،فحين كتب عن الصحراء لم يكن يصف جغرافيا جامدة، بل يصف الروح التي تتسع رغم الفقر وتنمو رغم الندرة والتي ترى في السراب وعدا لا يقل قيمة عن الماء نفسه.

‎سليمان الفليّح فكرة والفكرة لا تموت فها نحن نستعيده مجددا عبر أستاذنا وشاعرنا الكبير جاسم الصحيح في برنامجه "قول على قول" وحينما يتحدث الكبار عن الكبار نتعلم منهم ونستفيد وقد جعلني الصحيح أنظر لتجربة الفليح من زوايا عدّة وأضاء لي مناطق في شعريّته تؤكد لي أكثر مما ذهبت له عند اللقاء الأول بأعمال الفليح.

‎ما يلفت القارئ لتجربة الفليح أنه يكتب قصيدةً فصيحة سعودية بدوية بقدر ماهي عربية عالمية وهذا المزج بين محليّته وعالميتّه لا يؤتاه إلى شاعر كبير قل ما نجد مثله اليوم، ومن هنا يمكن القول إن الفليح قدم نموذج القصيدة الجسر؛ جسر بين البادية والعالم، بين الرمل والمدينة، بين الصوت الفردي والمصير الإنساني، إن القارئ يجد نفسه في قصيدة الفليح سواء كان بدويا أو مدنيا، عربيا أو غير عربي، لأن ما يكتبه يستند لجوهرٍ إنساني مشترك. ‎ لقد أسعدني أن يختم شاعرنا جاسم الصحيح حلقته بجزء من قصيدة أهديتها للفليح بعنوان "سادن الصحراء" وهنا أورد النص كاملا:

‎إلى البدوي الأخير سليمان الفليح

‎علِقتْ بهِ الصحراء عند ذهابِهِ ‎لن تفهمي يا بيدُ كُنْهَ غيابِهِ ‎ماضٍ وعرس الرمل يطفئُ بعده أفراحه ‎و يضيءُ ناي عذابِهِ ‎لم تعرف الصحراء بعد رحيله ‎حزنا سوى جعلته من أسبابهِ ‎أجرى عذوبته لها نهَرا ‎ولم يبخل على أحلامها بسحابِهِ ‎فكأنها المرآةُ ‎تعكس جنَّةً في الغيبِ ‎لم تعبر سوى من بابِهِ ‎وأباح للتاريخ سر خلودِهِ وخلودِها ‎ليكون من كُتّابِهِ ‎في صدره أحزان بدوٍّ رحّلٍ ‎والحزن مجبولٌ على أصحابِهِ ‎لم يغره لحن المدينة ‎إنّما أشجى ربابته وهيّج مابهِ ‎فَرَثَى صعاليك الجزيرة كلّهم ‎هم وحدهم سَيَعُونَ حجم مُصابِهِ ‎ومضى لخيمته يشد حبالها ‎ويقيم دلّته على مشهابِهِ ‎والعابرون تبخرّوا من طيبه ‎وتقاسموا ما فاض من أنخابِهِ ‎وأنا أتيتُ إليه تجمع بيننا نَسَبا ‎ملامح حزننا المتشابِهِ

التعليقات

أضف تعليقك

* سيتم مراجعة التعليقات قبل نشرها

جاري تحميل التعليقات...