
محمد حبيبي: منفيٌّ في قلبه، مقيمٌ في القصيدة
09 فبراير 2026
نحن كبشر مخلوقات تتّقد بالعاطفة، لكنها غالبًا ما تكون عاطفة موجهة لأبناء جنسها فقط. إلا أن الشاعر محمد حبيبي في قصائده، أعاد تشكيل هذه العاطفة وتوسيعها حتى صارت تشمل كل ما يحيط به لا يكتفي بالإنسان، بل يُشرك القميص، والسرير، وزجاجة العطر الفارغة في دائرة الحنين والانفعال. لقد علّمتني قراءته أن القلب لا يحتاج لتبرير كي يتحرك، يكفي أن يشعر.
ولو سألني أحد عن الثيمة الوحيدة التي تتسلل خفيةً في كل أعماله لقلت إنها العاطفة. لا العاطفة العادية، بل تلك التي تتحسس تفاصيل الحياة الصغيرة التي يمر بها الجميع لكن لا يلتفت إليها إلا من اختبر الوحدة بصدق، وتعلّم أن يخلق من تفاصيلها معنى. قصيدة محمد حبيبي ليست قصيدة يومية فحسب، بل يومية بمرآةٍ مشروخة، تكسر الأشياء وتعيد ترتيبها في هيئة دهشة، في هيئة سؤال شعري لا جواب له.
منذ "انكسرتُ وحيدًا" وحتى "جالسًا مع وحدك"، ظل الشاعر وفيًا لوحدته ليس كمأساة، بل كمنجم ثري بالمعاني. هو الذي كتب "أُطفئُ فانوس قلبي"، لكنه في الوقت نفسه أشعل قلوبنا بكلماته. وحدته لم تكن عزلة، بل وعيًا حادًّا بالمحيط. لقد خلق من وحدته مساحة للآخرين: كائنات، أشياء، مفاهيم، أصوات، كلها وجدت لها مكانًا في عالمه الشعري.
له معجم خاص، نابع من بيئته، من قريته، من المشاهد التي تتكرر كل صباح لكنها تأخذ عنده ضوءًا مختلفًا. هو لا يكتب من خارج تجربته، بل يمزجها بمعارفه وقراءاته، ليخرج لنا بنصوص تُشبه العالم ولا تُشبهه، تنتمي للأرض لكنها محلّقة في المعنى. محمد حبيبي يُترجم روحه، لا لغته فقط.
واللافت في تجربة محمد حبيبي وربما ما يميزها بوضوح عن غيرها، هو قدرته المدهشة على "شَعرنة" كل ما يحيط به. لا شيء خارج نطاق القصيدة عنده؛ كل ما يُرى، يُلمس، يُتخيل، يمكن أن يتحوّل تحت قلمه إلى شعر، وكأن اللغة عنده لا تنتظر اللحظة بل تخلقها.
لقد أتاح له هذا الحس الشِّعري الفريد أن يخوض بجرأة في القصيدة الرقمية، حين كانت ما تزال في أطوارها التجريبية. فبينما كان معظم الشعراء ما زالوا يتحسسون الطريق نحو الأشكال الجديدة، كان حبيبي قد مضى بعيدًا، مستثمرًا أدوات العصر لا للزينة، بل لإعادة إنتاج الشعر نفسه. كتب قصائد تفاعلية لا تكتفي بالمتلقي، بل تستدعيه ليكون جزءًا من بنيتها. قصائد تُفتح وتُطوى كنافذة، تُحرّكها عين القارئ كما يشاء، دون أن تفقد عمقها أو صدقها.
وفي زمن أصبحت فيه الحدود بين ما هو إنساني وما هو آلي باهتة، بعد أن اجتاح الذكاء الاصطناعي ميادين الكتابة، وصرنا نشكك في كل نص هل هو نصٌّ خالصٌ أم مشترك؟ فإن محمد حبيبي يبدو كمن سبق هذه الأسئلة كلها. كان يكتب كأنه يتنبأ بها، بل ويجيب عنها ضمنًا، فالقصيدة لديه تُرى بعد أن عاشت ردحا من الزمن تُسمع وتقرأ، لقد بعث فيها الروح بعد أن كانت هامدةً في الأوراق.
تجربته الرقمية لم تكن انبهارًا بالتقنية، بل إعادة صياغة للعلاقة بين اللغة والزمن والتلقي. لم يتخل عن جوهر الشعر لصالح الشكل، لكنه استخدم الشكل لتوسيع جوهر الشعر ذاته. لقد كانت حداثته حقيقية، لأنها نابعة من حاجة داخلية للتجريب، لا من هوس بمسايرة الموضة.
ومثلما سبقت قصيدته أسئلتنا، سبقت أيضًا عصرها. وما زالت تطرح علينا حتى اليوم سؤالًا مؤرقًا: كيف يبدو الشعر حين يُكتب من قلب يواكب المستقبل دون أن يفرّط في حنينه؟
أتذكر أمسية حضرتها له منذ قرابة عشرة أعوام. كنت يومها في مقعد خلفي، أتابع بصمت، وحين التقيته طلبت منه نسخة من ديوانه، فأهداني نسخته الخاصة من الديوان الذي قرأ منه. كان ديوانًا يضم مختارات من قصائده، وبقلمه وضع إشاراتٍ على بعض القصائد وكأنه يرسم لي خريطة طريق لأعبر إلى أعماقه الشعرية أو السحرية على حدٍّ سواء، وكم تغيرت حياتي بعد قراءته. عدت إلى المنزل، قرأته دفعة واحدة، ووجدتني أكتب له قصيدة دون تخطيط، دون وعي، فقط بدافعٍ شعري غريب. أعتقد أن تلك القصيدة، التي لم يقرأها سوى قلّة، كانت النواة الحقيقية لكل ما كتبته بعدها.
رِئَتِي حِينَ أَخْتَنِقْ "إلى المرتمي بين أحضان الحياة المرهقة" محمد حبيبي
I
باركته يداك
وعينك جابت به دون أقرانه
ثم عطرُك
عطرُك
ينداح بين متاهاته
ثم حبرُك
حبرُك
رتب لي سُلَّماتٍ إلى النشوة الصاعدةْ
II
حين أقرأ
أحتار من أين أبدأ
ذات اليمين
وكلتا الجهات يمين لديك
وأحتار
كيف تلقِّطُ أفكارك الشاردةْ
III
أنت تأتي كأغنية دون ميعاد
تنكأ جرحا/تضمِّدُهُ
لا تزيد على الجوهري سوى الجوهري
تُكَثِّفُ روحك/تهطل
ثم على عكس كل السحاب ستبقى
تعانقك اللغة الخالدةْ
IV
أنت لست وحيدا كما قلت
لكنَّ وحدك تنقصنا كي نكون ملائك
كي نكتب الشعر
نصغي لوحيك
نحيا
فأقلامنا مشرعات
وأرواحنا هامدةْ
V
حين تَكْتُبُ تتبعك القاعدةْ