
الأغنية بين بدرين
03 فبراير 2026
لا أزعم أنّي مستمع بارع وملمّ بالكثير مما صدر في ماضي الفن أو حديثه، لكن بإمكاني تمييز الجمال بمجرد ملامسته لأذني. ليست المسألة في عدد الأغاني التي استمعت إليها أو الفنانين الذين تابعتهم، بقدر ما هي في تلك اللحظة التي يخترق فيها صوتٌ معين أو لحنٌ فريد حاجز السمع ويستقر في مكانٍ عميق داخلي، كأنه وجد في داخلي مسكنًا كان ينتظره منذ زمن. مرّت الأغنية العربية بكثيرٍ من التقلبات، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل، فالتغير سمة الفن عمومًا، لكن المدهش أننا لا نعرف جلّ هذه التقلبات إلا من خلال ما وصلنا من أغانٍ بقيت صامدة أمام الزمن، وكأنها نوافذ صغيرة نطلّ منها على ماضٍ أوسع بكثير مما نتصور. يمكننا أن نلمح هذا التطور في آخر 100 عام من عمر الأغنية العربية، من عصر الطرب الذي كان يعتمد على الصوت العذب فقط، إلى عصر اللحن والموسيقى المتكاملة، ثم إلى الزمن الذي باتت فيه الأغنية منتجًا بصريًا لا يكتمل إلا بالمشهد والصورة.
وما بين هذه المراحل كلها، تغيّرت العلاقة بين الكلمة واللحن، بين المعنى والإيقاع، وتبدلت المعايير التي تُقيّم بها الأغنية في أذن المستمع. وبحكم علاقتي بالشعر، كنتُ دائمًا أميل إلى الكلمة في الأغنية، أنجذب إلى النصوص الشعرية حتى لو كانت الألحان عادية، وربّما بسبب ذلك فاتني خيرٌ موسيقيٌّ كثير. لم أكن أدرك أن اللحن يمكن أن يكون بحد ذاته قصيدةً أخرى تُضاف إلى القصيدة الأصلية، أو أن الموسيقى وحدها قد تحمل الشاعرية أكثر مما تحمله الكلمات. احتجت وقتًا طويلًا حتى استطعت الموازنة بين تذوق الموسيقى واهتمامي بالشعر، وحين فعلت، اكتشفت عوالم كاملة كنت أجهلها. لكن تراودني أحيانًا لحظات انفصال عن الأغنية ككل، لحظات أجد فيها نفسي متوقفًا عند كلمة أو جملة بعينها، أعيش معها لحظات وساعات، وأحيانًا أيامًا، أكررها وأتأملها، وأحاول أن أفهم كيف وجدت طريقها إلى قلب كاتبها بهذا الشكل البديع. هناك كلمات تمرّ مرورًا عاديًا، وأخرى تترك في النفس أثرًا لا يُمحى. أحيانًا تكون كلمة واحدة كفيلة بأن تغيّر إحساسي بالأغنية كلها، وكأنها المفتاح الذي يفتح لي باب الفهم الكامل للنص. الأغاني مليئة بالكلام الجميل، لكنها تعاني من ندرة في الكلام الشاعريّ، (ولن أستطيع شرح الفرق بينهما، لأنه يُحسّ أكثر مما يُعرّف، وهذه مهارة لا أدّعيها ولا أنكرها). وربّما لا تكون ندرةً فعلية، بل تقصيرًا مني في الاستماع لأغانٍ لم أكتشفها بعد. ومع ذلك، أؤمن أن الشاعرية في الأغنية ليست مجرد ترفٍ لغوي، بل هي تلك اللمسة التي تمنحها الحياة، وتجعلها أكثر قدرةً على العيش في وجدان المستمع. كنتُ أشعر بالشاعرية تنساب بسلاسة في أغاني فيروز، وفي كل مرة أستمع إليها، أكاد أجزم أن ما تغنّيه ليس مجرد “كلام موزون مقفّى”، بل شعرٌ حقيقي، شعر لا يخضع فقط لمتطلبات الموسيقى، بل يتناغم معها بانسجام تام. وهذا يعيدني إلى تعريف الشعر الذي تم اتهامه يومًا بأنه مجرد “كلام موزون مقفّى”، وهو منه براء، إذ أن الشعر أعمق من ذلك، وإن حمل أحيانًا بعض ملامح هذا التعريف المشوه. وخليجيا منذ مدةٍ تتبعت الشعر في الأغاني من وجهة نظرٍ شخصية وأعتقد أنّي وجدت ضالتي بين بدرين بدر بن عبدالمحسن وبدر بوريلي ففي كل مرة استمعت فيها لأغنية ولفتت سمعي كلمة أو جملة وجدتها لا تحيد عن أحدهما ليس على مستوى الشاعرية فحسب بل حتى في أسلوب توظيف الكلمات وأحيانا مزج كلمة فصيحة في سياقٍ شعبيّ أو عاميّ بكل سلاسة وبرأيي هي مهارةٌ عليا لا تؤتى لكل شاعر فدائما ما أنسى الاستمتاع بأغنية (أعترف لك) حين تسرقني كلمة (بما فيه الكفاية) عندما يقول (عبدالكريم عبدالقادر)(تعلمت يكفي ما تعلمت..وتألمت بما فيه الكفاية) أو جملة(جيتي من النسيان) في أغنية (صوتك يناديني) جملة قصيرة، لكن ثقلها العاطفي يجعلها أبلغ من صفحاتٍ كاملة من الشرح والتوضيح. وهذا مجرد مثال، وليس حصرًا لما قدّمه هذان الشاعران للأغنية. هذه الملاحظة قادتني إلى ملاحظةٍ أخرى، وتساؤلٍ يلحّ عليّ: هل هذه المهارة مرتبطة بكلّ من يحمل اسم بدر؟ وفي زحمة التفكير أطلّ عليَّ البدر الأكبر (بدر شاكر السياب) يبدو لي أن كل شاعرٍ بدريّ عبؤه أثقل من سواه من الشعراء فقد اقتسم الاسم ثلاثة من كبار الشعراء في عصرنا الحالي.
ربما يكون الأمر محض صدفة، وربما يحمل دلالةً لا نعرفها، لكن المؤكد أن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا مجرد شعراء عابرين، بل أصحاب بصمة واضحة لا تُمحى، كلٌ في مجاله. هذه المقالة لا تنفي شاعرية الكثير من الأغاني العربية، لكنها تنحاز، بوعي أو بغير وعي، إلى بدرين أنارا الأغنية ومنحاها فضاءً شعريًا بطريقتهما الخاصة، وبدريّ ثالث كان وما زال أحد أعمدة الحداثة الشعرية.